Ultimate magazine theme for WordPress.

الدبلوماسية الرقمية والقضية الوطنية في ظل واقع الاحتلال.

307

12 أكتوبر: صـــوت المقاومة الصحراوية

الاحد 03 مـــــاي 2020

العيون ـ االمحتلة ـ الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية

مــــــــــــدخــــــــــــل:

في ظل الثورة المعلوماتية والانتشار السريع لوسائل التواصل الرقمية، وسيطرة الإنترنت على كافة مناحي الحياة اليومية، خاصة ما تعلق منها بالقضايا الجوهرية كالنظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية، يتجه العالم نحو مزيد من التحولات والتغيرات على مستوى العلاقات الدولية والجيوسياسية.

ومع تزايد قوة التواصل والاتصال بين صناع القرار في العالم ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي، أدركت الدول والهيئات والمنظمات ذات السياسات الخارجية النشطة أهمية دمج الدبلوماسية الرقمية (أي استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية لأغراض دبلوماسية)، كشكل من أشكال الدبلوماسية العامة في عملية صنع قرار السياسة الخارجية، لشرح أهدافها ومقاصدها والدفاع عن قضاياها وحمايتها من التشويه وتبني الإطار الفلسفي لها سواء كان واقعيًا أو مثاليًا.

لازال مصطلح الدبلوماسية الرقمية يبحث عن تعريف محدد، كأي مصطلح جديد في العلوم الإنسانية، لكن من المؤكد حسب جميع المؤلفين والباحثين أن الدبلوماسية الرقمية هي شكل من أشكال الدبلوماسية العامة، تنطوي على استخدام التكنولوجيات الرقمية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تويتر وفيسبوك وغيرها، من قبل الدول للتواصل مع الجمهور الأجنبي عادة بطريقة غير مكلفة.

وبما أن كل دول العالم كبيرة كانت أم صغيرة، أصبحت تستخدم الدبلوماسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، كان لزامًا عليها البحث عن وسائل أسرع وأقل تكلفة لتحقيق تلك الأهداف، ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الرقمية في العلاقات الدولية، كوسيلة فعالة من وسائل القوة الناعمة أو “اللاعنف”، التي تعتمد على قوة الإقناع وجذب الآخرين من خلال قوة الأفكار والقيم والحجج، وليس من خلال القوة العسكرية أو الإكراه.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمكن تحديد الأزمة التي وقعت في منطقة الخليج بين الإمارات والسعودية والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى، كواحدة من بين أبرز أوجه “الدبلوماسية الرقمية” أو “الصدام الرقمي”، حيث تم اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية “قنا” وحسابها على تويتر، وبث تصريحات منسوبة إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وعن وزارة الخارجية.

وبعد أقل من أسبوعين أعلنت كل من السعودية والبحرين والإمارات ومصر، عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وطلبت من الدبلوماسيين القطريين المغادرة، وأغلقت كافة المجالات والمنافذ الجوية والبرية والبحرية مع الدوحة، لتبدأ بعد ذلك حرب حامية الوطيس بين هذه الدول على منصات وسائل التواصل الاجتماعي خاصة التويتر مازالت مستمرة إلى اليوم.

 

الدبلوماسية الرقمية الصحراوية وفضـح الاحتـلال:

 

مما لاشك فيه أن هذه التحولات التي يشهدها العالم، سيكون لها أثر على مسار القضية الصحراوية، التي مرت بمراحل وفترات مختلفة عبر التاريخ منذ حقبة الاستعمار الإسباني 1884 مرورًا بالغزو المغربي 1975، وصولًا إلى وقف إطلاق النار 1991، ودخول نفق مسار التسوية الأممي وجولات المفاوضات المتعاقبة والحرب الدبلوماسية.

وفي إطار “الحرب الرقمية” ضد القضية الصحراوية قام الاحتلال المغربي بتوظيف آلاف الموظفين والمستشارين في وسائل التواصل الاجتماعي، وخصص حوالي 180 منصة رقمية في التويتر واليوتوب والفيس بوك، وما يقارب 25 موقعًا إلكترونيًا بمختلف اللغات، لمهاجمة وتشويه كفاح الشعب الصحراوي وقضيته العادلة.

تقوم هذه المنصات التي أنشأها الاحتلال المغربي ومخابراته، بتتبع واستهداف النشطاء الصحراويين البارزين والمواقع الإلكترونية الصحراوية، عن طريق القيام بحملات ضدها من أجل قرصنتها أو إغلاقها، لفرض حصار إعلامي ممنهج على القضية الصحراوية، ينضاف إلى الحصار الذي يمارسه الاحتلال على الأرض.

كما تقوم هذه المنصات بنشر المغالطات التاريخية والقانونية، وتزييف وتحريف الحقائق المتعلقة بمختلف جوانب قضية الصحراء الغربية، والتنكر لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال طبقا لقرارات ولوائح الأمم المتحدة.

لقد استطاع الصحراويين منذ البداية، تطوير أساليب سلمية لمقاومة أشكال الاستعمار والاحتلال، هذه الأساليب أثبتت من جديد عبقريتهم وقدرتهم الفائقة على التكيف مع الظروف الصعبة التي مرت بها القضية الصحراوية على المستوى العسكري أو الدبلوماسي، ومواجهة مناورات الاحتلال.

أبدع الصحراويين في استخدام الدبلوماسية الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كأداة فعالة من بين أدوات المقاومة السلمية ضد الاحتلال المغربي، للتعريف بقضيتهم العادلة وكسب تعاطف وتأييد الرأي العام الدولي، ومساندة القضية الصحراوية، وفضح الانتهاكات المغربية لحقوق الإنسان بالمناطق المحتلة من الصحراء الغربية، والنهب الغير شرعي للثروات الطبيعية، والرد على مغالطات الاحتلال التي ينشرها يوميا لتشويه كفاح الشعب الصحراوي.

لحظة استلام المنسق العام للفريق الإعلامي الصحراوي محمد ميارة لجائزة .خوليو أنغويتا بمقاطعة الأندلس 2019


أمام شراسة وعدوانية الاحتلال المغربي، استطاع الفريق الإعلامي الصحراوي “إيكيب ميديا” الذي أسسه مجموعة من النشطاء الإعلاميين الصحراويين بالمناطق المحتلة سنة 2009، فضح ممارسات مختلف الأجهزة الأمنية المغربية القمعية ضد المتظاهرين الصحراويين العزل، عبر توثيق هذه الانتهاكات كدليل ساطع يؤكد سلمية وعدالة كفاح الشعب الصحراوي من جهة ويفند مزاعم الاحتلال ودعايته من جهة أخرى.

الإعلامية نزهة خطاري خلال تقديم تقرير مراسلون بلا حدود السويد ستوكهولم 2019.


كما تمكن الفريق الإعلامي الصحراوي بالشراكة مع مؤسسات إعلامية دولية، من انتاج أفلام وثائقية مثل الفيلم “ثلاثة كاميرات مسروقة” الحائز على عديد الجوائز الدولية كأفضل فيلم يوثق لانتهاكات حقوق الإنسان. اضافة إلى قيامه بحملات دولية للتضامن وإطلاق المعتقلين السياسيين الصحراويين داخل سجون الاحتلال المغربي، وكسب تعاطف متضامنين أجانب مؤثرين مع القضية الصحراوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

الإعلامي أحمد الطنجي خلال تقديم تقرير مراسلون بلا حدود إسبانيا مدريد 2019.


وشارك الفريق الإعلامي بفعالية في إعداد عديد التقارير الدولية عن واقع حقوق الإنسان عرّت الاحتلال، كالتقرير الأخير الذي أعدته منظمة مراسلون بلا حدود عن الحصار الإعلامي المفروض على المناطق المحتلة من الصحراء الغربية، أدانت فيه صمت وسائل الإعلام الدولية خاصة الإسبانية والفرنسية، حيال ما يقع من انتهاكات ضد الصحراويين العزل.

وتتويجًا لجهوده المضنية في إماطة اللثام عن جرائم الاحتلال وفضح سياسته القمعية الممنهجة، حاز الفريق الإعلامي الصحراوي على عديد الجوائز أبرزها كان جائزة “خوليو أنغويتا بارادو” للصحافة التي يمنحها اتحاد الصحفيين في الأندلس 2019، وجائزة حرية الصحافة التي يمنحها اتحاد الصحفيين بمقاطعة بالينثيا.

بدوره “راديو أميزيرات” ساهم هو الآخر في “الدبلوماسية الشعبية الرقمية”، عبر مقاطع صوتية ليس فقط في فضح الاحتلال المغربي وممارساته، بل أيضا نشر الراوية الصحراوية للأحداث، عبر إعداد برامج حوارية مع دبلوماسيين ومسؤولين صحراويين.

مستخدمًا الأسلوب الشعبي كأداة من أدوات المقاومة الشعبية الرقمية استطاع “راديو أميزيرات” إلحاق الضرر بالاحتلال المغربي والتأثير عليه بوسائل تقليدية بسيطة، كما ساهم في تمسك الصحراويين بثقافتهم وعاداتهم، عن طريق نشر مقاطع فلكلورية صحراوية وأغاني وطنية.

شكل ظهور مؤسسة “نشطاء” الصحراوية بحلتها الجديدة، إضافة نوعية “للدبلوماسية الرقمية” وذلك عبر إعداد مقاطع فيديو قصيرة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية للتعريف بالقضية الصحراوية، وفضح انتهاكات الاحتلال المغربي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة.

كما تقوم الدولة الصحراوية بجهود جبارة سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، لمواكبة التطور العلمي الحاصل في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بدأت مؤسسات ووزارات صحراوية بإنشاء حسابات لها عبر هذه المنصات الرقمية، كحساب التلفزيون الوطني الصحراوي باللغة الإسبانية.

 

ويجب الإشارة أيضا إلى الجهود الفردية التي يقوي بها بعض النشطاء والدبلوماسيين الصحراويين على منصات التواصل الإجتماعي في إطار “الدبلوماسية الرقمية”، عبر نشر وتحديث آخر تطورات القضية الصحراوية، وفضح الاحتلال المغربي.

هذا التناغم في العمل بين ماهو فردي ورسمي في “الدبلوماسية الرقمية الصحراوية” أعطى نتائج مثمرة وأكثر إيجابية للقضية الصحراوية.

التحــــــــــــديــــــــــــات:

على الرغم من الانتصارات والإنجازات التي حققتها الدبلوماسية الرقمية الصحراوية إلا هناك تحديات تواجهها، خاصة التحدي الأمني وحماية المعلومات، في ظل الحملة المسعورة التي تقودها أجهزة المخابرات المغربية، ضد النشطاء الصحراويين، والمواقع الإلكترونية الصحراوية لطمس الحقيقة.

غياب الاستراتيجية ونقص الإلمام بالرقمنة وتوحيد الخطاب في منصات التواصل الإجتماعي، والتكوين المعرفي والسياسي، وإنتاج المحتوى، كلها تحديات تواجه “الدبلوماسية الرقمية الصحراوية”، يجب أخذها بعين الاعتبار والمساهمة في التغلب عليه مستقبلًا.

 

خــــــــــــلاصــــــــــــة:

على الرغم من حداثة التجربة الصحراوية في هذا الميدان، وقلة عدد الصحراويين، وضخامة إمكانيات الاحتلال المغربي وتعدد وسائله، إلا أن الصحراويين استطاعوا بفضل استغلال منصات وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات للمقاومة، فضح الاحتلال المغربي، ولفت انتباه الرأي العام الدولي سواء كان رسميًا أو شعبيا، إلى قضيتهم العادلة وكسب مزيد من المتعاطفين والمتضامنين من مختلف بقاع العالم.

اليوم هناك فرصة حقيقية أمام الدبلوماسية الصحراوية للاستفادة بشكل أمثل من “الدبلوماسية الرقمية”، وأنشطة الإنترنت والثورة المعلوماتية ككل، لعرض مواقف ورواية السياسة الخارجية الصحراوية على المستوى الإقليمي القاري والدولي.

المصدر: Diplomatico

التعليقات مغلقة.