الصحفي والناشط عمر الراضي ينتظر خارج المحكمة في الدار البيضاء، المغرب في 12 مارس/آذار 2020.

Click to expand Image

الصحفي والناشط عمر الراضي ينتظر خارج المحكمة في الدار البيضاء، المغرب في 12 مارس/آذار 2020.© 2020 “رويترز”/يوسف بودلال

المغرب يرفع قضية تجسس ضد صحفي معارض

عمر الراضي مسجون تعسفيا تحت تهم تبدو واهية وذات دوافع سياسية

ـ واشنطن ـ قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إن السلطات المغربية سجنت عمر الراضي، صحفي وناشط معارض، بتهمة التجسس وتهم أخرى تبدو مبنية على أسس ضئيلة. التحقيق القضائي معه، الذي من المقرر أن يبتدأ يوم 22 سبتمبر/أيلول 2020، يثير شكوك بأن السلطات تسيء استخدام النظام القضائي لإسكات أحد الأصوات المنتقدة القليلة المتبقية في الإعلام المغربي.

يواجه الراضي (34 عاما)، المسجون منذ 29 يوليو/تموز، عقوبة تصل إلى 10 سنوات في السجن إذا تمت إدانته. قضية “التجسس” المثارة ضده ترتكز أساسا على عمله الصحفي وعلى أبحاث أجراها بموجب عقود مع شركات أجنبية. نفى الراضي جميع التهم الموجهة إليه، بما في ذلك تهمة اغتصاب ناجمة عن علاقة قال إنها كانت رضائية. المرأة التي اتهمته، والتي تحدثت علنا، لها الحق في أن يُستمع إليها وأن تُحترم، ولها الحق، مثل الراضي، في إجراءات قضائية عادلة.

قال إريك غولدستين، مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإنابة في هيومن رايتس ووتش: “من الواضح الآن أن جهاز الحكم في المغرب أصبح يعتمد على توجيه تهم تبدو وهمية إلى صحفيين معارضين، كأسلوب لخنق الانتقادات. تهمة التجسس، وسلسلة من التهم الأخرى الموجهة إلى عمر الراضي، تبدو ملفقة لإسقاطه”.

نشر الراضي، وهو صحفي حائز على جائزة في التحقيق الاستقصائي وناشط حقوقي، مقالات حول فساد المسؤولين وحول استيلاء مُضاربين على أراضٍ جماعية، كما تعاون كمراسل مع وسائل إعلام مغربية ودولية.

قابلت هيومن رايتس ووتش الراضي قبل اعتقاله، وكذلك والده، ومحاميه الإثنين، وثلاثة من زملائه، وأربعة شهود في واقعتين يُحاكم بسببها، وعدد من أعضاء اللجنة الداعمة له. قرأت كذلك هيومن رايتس ووتش تقارير إخبارية عديدة نُشرت في مواقع يقال إنها مقربة من أجهزة الأمن، بما في ذلك تقارير يبدو أنها عرضت قضية الراضي الجنائية كما قُدّمت لقاضي التحقيق.

ليست هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها السلطات الراضي. في ديسمبر/كانون الأول 2019، سجنته محكمة لفترة وجيزة بسبب تغريدة انتقد فيها قاضيا. في يونيو/حزيران، أفادت “منظمة العفو الدولية” أن الهاتف الذكي للراضي تم اختراقه بواسطة برمجية تجسس قوية قال مطوّرها إنه يبيعها للحكومات فقط. نفت السلطات المغربية بشدة هذا الاتهام، رغم أن محكمة مغربية وافقت في أواخر 2017 على التنصت على هاتف الراضي.

ابتداء من 26 يونيو/حزيران 2020، تم استدعاء الراضي من طرف الشرطة القضائية، والدرك، والنيابة العامة لـ 12 جلسة استنطاق، تراوحت مدة كل منها بين ست وتسع ساعات. تطرقت الاستنطاقات إلى اتهامات عديدة، بما فيها تقديم الراضي “خدمات استخباراتية” مزعومة لحكومات وشركات ومنظمات أجنبية. نشرت وسائل إعلام مقربة من أجهزة الأمن، ومتخصصة في تشويه سمعة المعارضين، مقالات عديدة تسب الراضي، ووالديه، وأصدقائه، ومسانديه، وتكشف تفاصيل مزعومة حول حياته الخاصة، وتُلمِح (صائبة) إلى تاريخ اعتقاله قبل حدوثه. واحد من تلك التقارير، الذي كشف تفاصيل تحقيق الشرطة بشأن الراضي، كان متاحا لفترة وجيزة على الإنترنت، قبل أن يُحذف معظم محتواه. حصلت هيومن رايتس ووتش على النسخة الأصلية للتقرير بشكل PDF.

قال إدريس الراضي، والد عمر، لـ هيومن رايتس ووتش إن استنطاقات الشرطة الشديدة الكثافة وحملة التشهير الشرسة كانت بمثابة “تعذيب نفسي” لابنه، وقدم شهادة من طبيب نفساني بتاريخ 28 يوليو/تموز، تشهد بأن الحالة النفسية لعمر تفرض عليه أن يقف من العمل لمدة 30 يوما، تسري على الفور. اعتقلته الشرطة في اليوم التالي.

قال محاميا الراضي لـ هيومن رايتس ووتش إن موكلهما وُضع رهن الحبس الاحتياطي في 29 يوليو/تموز من قبل قاضي التحقيق، الذي علل قراره بـ”خطورة الأفعال الإجرامية، والمس بالنظام العام، وتوفر وسائل الإثبات”. طعن الدفاع في قرار قاضي التحقيق في 2 سبتمبر/أيلول، بدافع أن الحبس الاحتياطي يجب أن يخصَّص للحالات الاستثنائية، استنادا للدستور والقوانين المغربية، وكذلك “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”. رفض القاضي طلب الإفراج المؤقت عن الراضي في 3 سبتمبر/أيلول.

قضية الوكيل العام ضد الراضي تستند على ما يبدو إلى تبادل رسائل نصية بينه وبين دبلوماسي أجنبي، وعقود مع شركات أجنبية للاستشارات الاقتصادية وقّعها الراضي لإجراء أبحاث داخل المغرب، وبحث صحفي حصل على منحة لإنجازه بشأن الأثر الاجتماعي لعمليات نزع الملكية لأراضي جماعية.

بناء على نتائج الشرطة، يعتبر الوكيل العام أن أنشطة الراضي تنتهك الفصل 191 من القانون الجنائي المغربي، الذي ينص على ما يلي: “يؤاخَذ بجريمة المس بسلامة الدولة الخارجية كل من باشر اتصالات مع عملاء سلطة أجنبية، إذا كان الغرض منها أو نتج عنها إضرار بالوضع … الدبلوماسي للمغرب”. يعتبر الوكيل العام أن أنشطة الراضي تستدعي أيضا تهما بموجب الفصل 206، الذي ينص على ما يلي: “يؤاخَذ بجريمة المس بالسلامة الداخلية للدولة … من تسلم … من شخص أو جماعة أجنبية … هبات … لتسيير أو تمويل نشاط أو دعاية من شأنها … زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي”.

يبدو أن تهم التجسس والمس بسلامة الدولة ليست مبنية على أي دليل على أن الراضي قام بأي شيء غير عمل صحفي عادي، وعمل تحقيقي لفائدة شركات، والتواصل مع دبلوماسيين، كما يفعل العديد من الصحفيين والباحثين بطريقة روتينية. لا يبدو أن هناك أي دليل على أن الراضي وفر معلومات سرية لأي طرف.

تستند تهم الاغتصاب وهتك العرض الموجهة للراضي إلى شكوى قدمتها في 23 يوليو/تموز امرأة تعمل في نفس الموقع الإخباري الذي يعمل فيه. يزعم الراضي أن العلاقة الجنسية، الذي حدثت 10 أيام قبل ذلك، كانت بالتراضي. جميع شكاوى الاعتداء الجنسي تستحق التحقيق الجاد، والعقاب عندما يُثبت الجرم بأدلة. مع ذلك، هناك سوابق في المغرب لاعتقال أو محاكمة أو سجن صحفيين مستقلين، أو نشطاء، أو سياسيين بتهم مشكوك فيها تتعلق باعتداءات جنسية.

سجن المغرب في الماضي القريب صحفيين بارزين آخرين بتهم لا علاقة لها بعملهم، إلى جانب العديد من المعلّقين على الإنترنت والنشطاء والفنانين، الذين حُكم عليهم بسبب تعبيرهم عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

قال غولدستين: “للمغرب رصيد طويل في محاكمة المنتقدين السلميين بتهم جنائية، لكن كثافة الادعاءات ضد عمر الراضي غير مسبوقة. على السلطات إسقاط جميع التهم التي لا أساس لها ضده، وتمتيعه بالسراح المؤقت، وضمان إجراءات قضائية عادلة وشفافة له ولجميع الأطراف”.

الراضي، المحتجز في سجن عكاشة بالدار البيضاء منذ اعتقاله في 29 يوليو/تموز، سيمثل أمام قاضي التحقيق في 22 سبتمبر/أيلول بتهمة “المس بسلامة الدولة الخارجية … [من خلال] … اتصالات مع عملاء سلطة أجنبية … [من أجل] الإضرار بالوضع … الدبلوماسي للمغرب”، و”المس بالسلامة الداخلية للدولة … [من خلال تسلم] … تمويل لنشاط أو دعاية من شأنها … زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي”، و”هتك العرض بالعنف”، والاغتصاب، وخرق المدونة العامة للضرائب، والتهرب الضريبي.

الحبس الاحتياطي

في 2 سبتمبر/أيلول، طلب محاميا الراضي السراح المؤقت لموكلهما في انتظار المحاكمة. قالا بأن الحبس الاحتياطي يجب أن يكون استثنائيا بموجب القانون، وأن مثل هذا الاستثناء لا ينطبق على الراضي، الذي هو محظور من السفروالذي تعهد بالمشاركة الكلية في الإجراءات القضائية.  قالت هيئة الدفاع لـ هيومن رايتس ووتش إن قاضي التحقيق رفض طلب الإفراج عنه في 3 سبتمبر/أيلول، “نظرا لخطورة الأفعال” ولأن “البحث لا زال في بدايته”، ولأن “إطلاق السراح قد يعرقل سير إجراءات التحقيق”. استأنف الدفاع هذا القرار على أساس أن تعليله غير كافي. من المتوقع صدور الحكم الاستئنافي في 23 سبتمبر/أيلول.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه في غياب تبرير مفصل، واقعي وذو جدوى لحبس الراضي احتياطيا، ينبغي الإفراج عنه فورا، في انتظار محاكمته.

تهم التجسس والمس بسلامة الدولة

في 2 يوليو/تموز، أعلن بيان تلاه الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية في مؤتمر صحفي بعد اجتماع حكومي، أن الراضي “يخضع لتحقيق قضائي بشأن مسّ مفترض بأمن الدولة، بسبب الروابط التي تجمعه بعميل لدولة أجنبية”. أعطى البيان الرسمي الانطلاقة لحملة تشهير ضد الراضي استمرت شهور على مواقع يقال إنها مرتبطة بأجهزة الأمن المغربية. كشفت تلك المواقع تفاصيل حول “العميل الأجنبي“، واتهمت الراضي بشكل قاطع بأنه “جاسوس”.

قد يشكل تزويد معلومات لحكومات أو كيانات أجنبية جريمة جنائية معترف بها، وذلك حسب طبيعة المعلومات، والمتلقي، ونية المُزوّد. لكن من حيث المبدأ، عملية جمع معلومات غير سرية حول ظروف اجتماعية، أو إجراءات حكومية، أو أنشطة تجارية، ومشاركة تلك المعلومات مع أطراف أخرى، بأي وسيلة كانت، تُعتبر أنشطة محمية بموجب الحق المعترف به دوليا في “طلب جميع أنواع المعلومات والأفكار، وتلقيها، وإذاعتها، دون أي اعتبار للحدود“، وفقا لعهد الأمم المتحدة الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي صادق عليه المغرب في 1979. أن تعكس هذه المعلومات صورة غير مشرفة لأصحاب السلطة، أو أن يستخدمها المتلقي لانتقادهم، لا يبرر تجريم جمعها أو مشاركتها.

علاوة على ذلك، اتهامات مثل “الإضرار بالوضع الدبلوماسي للدولة” و”زعزعة ولاء المواطنين للدولة ولمؤسسات الشعب” غامضة للغاية، وقد تؤدي إلى تجريم أنشطة مشروعة، بما فيها حرية التعبير. قالت هيومن رايتس ووتش إن الصياغة الفضفاضة لمثل هذه “الجرائم” تفتح الباب للتأويلات التعسفية من طرف القضاة، إلى درجة أن لا أحد يستطيع التنبؤ بشكل معقول بما يمكن اعتباره جريمة.

سفارة هولندا في المغرب

في أواخر 2017، بينما كانت منطقة الريف في شمال المغرب تشهد احتجاجات اجتماعية واقتصادية ضخمة، وسلمية في أغلبيتها الساحقة، زار الراضي المنطقة عدة مرات للعمل على فيلم وثائقي حول الحراك الشعبي. خلال تلك الفترة، وافق أحد القضاة على طلب وكيل للملك من أجل التنصت على هاتف الراضي. بينما كان هاتفه تحت المراقبة، تبادل الراضي رسائل نصية مع دبلوماسي يعمل في سفارة هولندا في الرباط. يبدو أن الرسائل لم تتضمن أكثر من ترتيبات لعقد لقاءات بين الرجلين.

أثناء استنطاقه من طرف الشرطة، أصر الراضي على أن محادثاته مع الدبلوماسي كانت روتينية وتشمل تطورات الأوضاع في المغرب، بما في ذلك أحداث الريف.

حسب تسريبات لملفه القضائي، اعتبر على ما يبدو وكيل الملك والشرطة أن الراضي، في محادثاته مع دبلوماسيين هولنديين، قدم معلومات حول اضطرابات الريف، ليستخدمها مسؤولون هولنديون في تصريحات عمومية تهدف إلى المس بالوضع الدبلوماسي المغربي. يبدو أن هذا الاعتبار هو أساس اتهام الراضي بخرق الفصل 191 من القانون الجنائي، الذي يعاقب بخمس سنوات سجنا على جريمة “المس بسلامة الدولة الخارجية (عبر) مباشرة اتصالات مع عملاء سلطة أجنبية، إذا كان الغرض منها أو ترتب عنها إضرار بالوضع الدبلوماسي للمغرب”.

شركات الاستشارات الاقتصادية البريطانية

يقول مقال نشره موقع “لو ديسك” (Le Desk) الإخباري في 15 يوليو/تموز، والذي يعمل فيه الراضي، إن شركة استشارات اقتصادية بريطانية تعاقدت مع الراضي في يوليو/تموز 2018 كمستشار محلي في مجال المال والأعمال. الخدمة التي كان على الراضي تقديمها تتمثل في إجراء مقابلات مع أشخاص في القطاع المالي للمملكة، لجمع معلومات عن الشركاء في شركة خدمات مالية مغربية، نيابة عن زبون للشركة البريطانية كان ينوي الاستثمار في الشركة المغربية. حصل الراضي على ما يقارب 1,500 دولار أمريكي مقابل هذا العمل.

استنادا إلى مقال لو ديسك، كان مُحاور الراضي من أجل هذا العمل في الشركة البريطانية موظفا متقاعدا من وزارة الخارجية للمملكة المتحدة، والذي ورد اسمه في قائمة مزعومة لضباط “إم أي 6” (MI6)، جهاز المخابرات الخارجية في للمملكة المتحدة.

أكد الراضي أنه لم يكن على علم آنذاك بأي ارتباط استخباراتي لمحاوره في شركة الاستشارات الاقتصادية البريطانية، وأكد أنه لم يقدم لذلك الشخص أو تلك الشركة أي خدمات تتجاوز إطار الأبحاث العادية في شؤون الشركات الخاصة.

خلُصت الشرطة ووكيل الملك على ما يبدو إلى أن خدمات الراضي لم تكن استشارة بريئة، بل كانت تجسسا. نفس الخلاصة تنطبق على ما يبدو على استشارة قدّمها الراضي إلى شركة بريطانية أخرى حول قطاع الزراعة في المغرب، والتي كسب منها ما يقارب 450 دولار أمريكي.

يُشكل عمل الراضي لهذه الشركات، إلى جانب اتصالاته بالسفارة الهولندية، أساس اتهامه بالمس “بالسلامة الخارجية” للمغرب بموجب الفصل 191 من القانون الجنائي. مع ذلك، لا يبدو أن ملف وكيل الملك وتقرير الشرطة الذي استند إليه، يحتويان على أدلة تفيد بأن طبيعة المواد التي قدمها الراضي للشركتين تنطبق عليها جريمة التجسس، أو أنه قدم تلك المواد وهو يعلم أنها ستمس بسلامة الدولة.

“مؤسسة بيرثا”

في يناير/كانون الثاني 2019، قدّمت مؤسسة بيرثا، ومقرّها في جنيف، منحة للراضي. تعطي المؤسسة منح مالية للصحفيين والنشطاء الذين يعملون على إحداث تغيير اقتصادي واجتماعي. كان هدف المنحة أن يُنجز الراضي أبحاثا حول التأثير الاجتماعي لنزع ملكية الأراضي لغرض المنفعة العامة في المغرب.

كانت المنحة تندرج ضمن برنامج يُدعى “تحدّي بيرثا“، والذي كان هدفه دعم من اختارتهم المؤسسة للإجابة على السؤال التالي: “كيف تساهم العلاقة المتشبكة بين المِلكية والربح والسياسة في إرساء الظلم في قطاع الأراضي والسكنى، وماذا يمكن فعله لمعالجة ذلك؟”. اعتبرت الشرطة أنّ ذلك يوازي موافقة الراضي على مهمة، موكلة من طرف منظمة أجنبية، تهدف إلى إثارة شعور بالظلم لدى المواطنين المغاربة حيال نزع ملكية الأراضي.

أوصى الوكيل العام باتهام الراضي بخرق الفصل 206 من القانون الجنائي الخاص بـ “المس بالسلامة الداخلية للدولة”، الذي يعاقب بخمس سنوات سجنا “كل من تسلم … من شخص أو جماعة أجنبية … هبات … لتسيير أو تمويل نشاط أو دعاية من شأنها … زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي”.

في 2015، اتهمت السلطات المعطي منجب، وهو أستاذ في التاريخ، وأربعة نشطاء لحرية الإعلام — هشام المنصوري، وهشام اخريبشي (الملقب بـ هشام المرآة)، وصمد آيت عيشة، ومحمد الصابر— بانتهاك الفصل 206 بعد تلقّيهم تمويلا من منظمة هولندية غير حكومية لتنظيم تدريب على الصحافة المواطنة. أُجلت المحاكمة مرارا، ولا تزال معلّقة إلى اليوم. فرّ المنصوري والمرآة وآيت عيشة من المغرب إثر ما وصفوه بحملة مضايقات من طرف الدولة. تعرّض منجب، الذي بقي في المغرب، للهجوم والإهانة مرارا وتكرارا من قبل مواقع إلكترونية مقرّبة من أجهزة الأمن المغربية.

تهم هتك العرض والاغتصاب

في 23 يوليو/تموز، رفعت امرأة تعمل كبائعة فضاءات إشهارية لدى موقع لو ديسك، حيث يعمل الراضي، دعوى قضائية ضدّ الراضي، بتهمتي الاغتصاب وهتك العرض بالعنف. حصلت الواقعة المزعومة في منزل يملكه مدير الموقع ويستعمله الموظفون أحيانا كمكان عمل. المرأة، والراضي، وموظف ثالث في لو ديسك، وهو الصحفي عماد استيتو، تمت دعوتهم لمبيت الليلة في المنزل، وخُصّصت للنوم أريكة منفصلة لكلّ واحد منهم، في غرفة جلوس كبيرة في الطابق الأرضي.

يتّفق الراضي والمدعية عليه على أنه وقعت علاقة جنسية بينهما في غرفة الجلوس حوالي الساعة 2 صباحا في 13 يوليو/تموز. لكن، بينما صرّح الراضي أنّ العلاقة حصلت بالتراضي، قالت المرأة إن الراضي تهجم عليها. تطابَق التصريح الذي أدلى به استيتو لاحقا أمام الدرك مع رواية الراضي، كما اعترفت المدّعية نفسها في مقابلة صحفية.

في تحرّك إجرائي غير اعتيادي، جمعت المحكمة في نفس الملفّ تهم الاغتصاب والمس بسلامة الدولة الخارجية والداخلية. سينظر نفس قاضي التحقيق في جميع هذه التهم.

تهم السُكْر العلني، والعنف، والسب

في قضية منفصلة، سيمثل الراضي أمام قاضٍ في 24 سبتمبر/أيلول بتهم “السُكر العلني البين” والسب والعنف، وقد ينال حتى ستة أشهر في السجن إن تمت إدانته. نجمت هذه القضية عن شجار وقع خارج حانة في الدار البيضاء في 5 يوليو/تموز بين الراضي واستيتو وكريم العلوي، مصوّر لدى قناة “شوف تيفي” الإلكترونية المغربية، التي يُزعم أنّلها صلات بأجهزة الأمن.

في مقطع فيديو للحادثة، يُسمع العلوي وهو يشتم الراضي، ناعتا إياه بـ “اللص” و”السكّير”. قال الراضي لـ هيومن رايتس ووتش إنّه يُشتبه في أن تكون الحادثة مُفتعلة بما أنّ الشرطة تدخّلت بشكل شبه فوري واعتقلته بمعية استيتو، بينما لم يُعتقل العلوي، وهو الآن يواجه تهما أقلّ خطورة.

في بيان نُشر على “فيسبوك”، قال الراضي إنّ العلوي كان يلاحقه منذ أيّام، ويضايقه كلّما دخل أو غادر مقرّ الشرطة القضائية في الدار البيضاء، حيث كان يتم استنطاقه. قال شاهدان على الحادثة لـ هيومن رايتس ووتش إنّ العلوي كان ينتظر خارج الحانة لساعات بينما كان الراضي في الداخل، وبدأ يصوّره واستيتو لحظة خروجهما حوالي الساعة 11 مساء. تبادل الرجال الثلاثة الكلام الغاضب بينما كان يصوّر أحدهم الآخر بهواتفهم الخلوية.

قال الشاهدان إنّه لم يقع أي عنف جسدي خلال الشجار. وأضافا أنّ مركبة شرطة، التي كانت على ما يبدو متمركزة في زنقة موازية، ظهرت في أقلّ من دقيقة بعد اندلاع الشجار. اعتقلت الشرطة الراضي واستيتو، بينما تركت العلوي حرا. مدير لو ديسك، الذي أعدّ تقريرا عن الحادثة، وصف الموقف بـ “الكمين بامتياز“. احتُجز الراضي واستيتو طوال الليل وأُفرِج عنهما بعد ظهر اليوم التالي.

قال الراضي لـ هيومن رايتس ووتش إنّ الشرطة صادرت هاتفه الذكي خلال اعتقاله، وأنّ شرطيا أخبره أنّ الشرطة اطّلعت على محتوياته، بما في ذلك محادثات على تطبيق الرسائل المشفّرة “سيغنال” (Signal). اتُهم الراضي واستيتو بالسُكر العلني والعنف، والسب، وتصوير شخص دون موافقته. يواجهان السجن حتى ستة أشهر، إذا أُدينا. وُجّهت التهمتان الأخيرتان للعلوي. العلوي واستيتو طليقان مؤقتا بانتظار جلسة استماع المحكمة الأولى في هذه القضية، المقرّرة في 24 سبتمبر/أيلول.

ذُكِر شوف تيفي كأحد المنابر المحسوبة على “صحافة التشهير”، وهي مجموعة مواقع إلكترونية يُزعم أن لها صلات بأجهزة الأمن. في 16 يوليو/تموز، وقّع 110 صحفيون مغاربة على عريضة تستنكر “صحافة التشهير”، واستهدافها المعارضين بـ “التشهير، والشتم، والافتراء،” كلّما حقّقت السلطات معهم.

قضايا الاعتداء الجنسي في سياق مسيّس

للمغرب رصيد في اعتقال الصحفيين المستقلّين أو النشطاء أو السياسيين، ومقاضاتهم، وسجنهم على خلفية تهم جنسية مشكوك فيها، بما فيها الجنس خارج الزواج والاعتداءات الجنسية. استُنكرت الكثير من هذه المحاكمات على نطاق واسع باعتبارها ذات دوافع سياسية، ولا تراعي الضمانات القانونية الواجبة لجميع الأطراف.

تحصل هذه القضايا في سياق تواجه فيه النساء المغربيات عقبات نمطية في الإبلاغ عن العنف الجنسي والسعي للانتصاف، بما في ذلك محاكمتهنّ بتهمة ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، إذا لم يُصدَّق ادعاؤهنّ بالتعرض للاغتصاب، علما أنّ نسبة الإدانة في هذه القضايا ضعيفة.

في مايو/أيار 2015، حكمت محكمة في الرباط على هشام المنصوري، ناشط في مجال حرية الإعلام، وسيدة شريكة في الاتهام، بالسجن لعشرة أشهر بتهمة الزنا. شهرين قبل ذلك، اعتُقل مصطفى الريق، قيادي في “حركة العدل والإحسان” الإسلامية المعارِضة، مع سيدة كان يزور بيتها، واحتجزتهما الشرطة لمدة ثلاثة أيام. تماما كالمنصوري، ادّعى الريق أنّ الشرطة نصبت له فخا ولفّقت أدلة الزنا، بما في ذلك تصويره في مسرح الواقعة بعد أن تم نزع ملابسه بالقوة.

في سبتمبر/أيلول 2019، أدانت محكمة في الرباط الصحفية هاجر الريسوني وحكمت عليها بالسجن لمدّة عام لخضوعها للإجهاض ولممارستها الجنس خارج الزواج. كشف وكيل الملك علنا تفاصيل خاصّة للغاية عن حياتها الجنسية والإنجابية، استنادا إلى فحص لطبيب نسائي خضعت له الريسوني من دون موافقتها وهي محتجزة. مثل هذه الفحوصات، عندما تُجرى من دون موافقة الشخص المعني، ترقى إلى المعاملة القاسية والمهينة بحسب المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

حكمت المحكمة أيضا على خطيب الريسوني والطبيب المتّهم بإجراء الإجهاض بالسجن لعام وعامَين على التوالي. نفى جميع المتهمين التهم الموجّهة إليهم. أُفرِج عن الريسوني، وخطيبها، والطبيب في 16 أكتوبر/تشرين الأول بعد حصولهم على عفو ملكي. قد يكون الدافع وراء القضية روابط الريسوني العائلية مع معارضين بارزين، بالإضافة إلى عملها كصحفية في يومية “أخبار اليوم”، التي استهدفتها السلطات مرارا لتقاريرها وتعليقاتها المستقلّة.

سُجن صحفيون آخرون يعملون في أخبار اليوم بتهمة الاعتداء الجنسي. في مايو/أيار 2020، اعتُقل رئيس تحرير الصحيفة سليمان الريسوني بشبهة الاعتداء جنسيا على رجل. لم تبدأ محاكمته بعد.

في أكتوبر/تشرين الأول 2019، حُكم على توفيق بوعشرين، مدير النشر في أخبار اليوم، بالسجن 15 عاما للاعتداء الجنسي على نساء عدّة، في محاكمة كانت، حسب استنتاجات “فريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي” التابع للأمم المتحدة، تشوبها انتهاكات للضمانات القانونية الواجبة، وتندرج ضمن “مضايقة قضائية لا يمكن إلا أن تكون نتيجة لتحقيقات السيد بوعشرين ونشاطه الإعلامي“.

في مقال رأي نشرته في جريدة “واشنطن بوست”، قالت عفاف برناني، امرأة عملت في صحيفة بوعشرين، إنّها فرّت إلى تونس في 2019 بعد أن حُكم عليها بالسجن ستة أشهر في المغرب. تمّت مقاضاتها بسبب ادّعائها أنّه تمّ تزوير محضر أقوالها للشرطة ليُظهر خطأً أنّها اتهمت بوعشرين بالتحرش بها جنسيا. قالت برناني إنّها “تحمّلت أشكالا عدّة من المضايقة والتعذيب النفسي” بعد نفيها اعتداء بوعشرين عليها، بما في ذلك اعتقالها خارج الإجراءات القانونية من طرف الشرطة، ومداهمة الشرطة لمنزل إحدى صديقاتها حيث كانت تبيت، وحملات تشهير شرسة ضدّها في وسائل الإعلام المقرّبة من أجهزة الأمن.

في منشور على فيسبوك في 25 أغسطس/آب، ردت السيدة التي اتهمت الراضي بالاغتصاب على مقال برناني في واشنطن بوست، ذاكرة أنّ قضيتها لا تشبه قضية برناني، وأنّها ضحية عنف جنسي كشفت عن ذلك من تلقاء نفسها.

“صحافة التشهير”

بين 7 يونيو/حزيران و15 سبتمبر/أيلول، أحصت هيومن رايتس ووتش 136 مقالا على الأقلّ يهاجم الراضي، وأسرته، ومؤيديه على المواقع الإخبارية المغربية شوف تيفي، وبرلمان، و”Le360“، في نسخها العربية والفرنسية. في السنوات القليلة الماضية، نشرت هذه المواقع وغيرها من المواقع ذات الخط التحريري المشابه، مئات المقالات تهجّمت فيها على صحفيين، ونشطاء، وفنّانين مغاربة ينتقدون السلطات.

غالبا ما تتضمّن تلك المقالات شتائم مشينة ومعلومات شخصية، بما فيها سجلات مصرفية وعقارية، مقتطفات من مراسلات إلكترونية خاصة بالأفراد المستهدفين، مزاعم عن علاقات جنسية أو تلميحات لتهديدات بفضحها، هويات رفاق السكن، وحتى تفاصيل ذاتية تعود أحيانا إلى طفولة الأفراد المستهدفين، بالإضافة إلى معلومات عن أهاليهم.

تنتمي شوف تيفي، وبرلمان، وLe360 إلى ما يسمى “صحافة التشهير”، وهي مجموعة من المواقع الإلكترونية ندّدبها 110 صحفيون مغاربة في 16 يوليو/تموز، وقالوا إن خطها التحريري “يقوم على التهجّم على الأصوات التي تزعج الحكّام وذوي النفود”.

في مقالات استقصائية وغيرها من الوسائط، وصف صحفيون عديدون المنابر المذكورة بأنّها “مقرّبة من القصر الملكي“، أو تربطها علاقات وثيقة بأجهزة الاستخبارات والشرطة المغربية. في مناسبة على الأقلّ، ألمحت شوف تيفي إلى تاريخ اعتقال مستقبلي لصحفي كان لا يزال طليقا حين نُشر المقال — وأصابت.

في مقال استقصائي مفصّل يفضح “استراتيجية الاستهداف الجنسي” للمعارضين المغاربة من طرف السلطة، كتب هشام المنصوري، الناشط الإعلامي في المنفى، أنّ “أجهزة الاستخبارات تُحكم قبضتها بشكل متزايد على الحياة السياسية، عبر التلاعب بالصحافة المتخصّصة في الأكاذيب والتشهير”. قال شخص تم استهدافه لـ هيومن رايتس ووتش إنّ “هذه المواقع تهاجم من ينتقدون السلطة وتعلن عن اعتقالهم الوشيك. عندما تجد اسمك ومعلوماتك الخاصّة منشورة على هذه المواقع، تفكر مليّا قبل اتّخاذ أي موقف علني من جديد”. تحدّث الشخص المعني من دون الإفصاح عن هويته، خشية من انتقام هذه المواقع الإلكترونية والشرطة، التي يقول إنّها تعمل يدا في يد.

خلال ندوة نظّمتها منظمات حقوقية مختلفة في الرباط في 2017 ونُشرت خلاصاتها في كتاب في 2019، استنكر عدد من الصحفيين والأساتذة الجامعيين حملات الافتراء لـ “صحافة التشهير” ضدّ المعارضين المغاربة.

تهم التهرّب الضريبي

قبل اعتقاله، حقّقت الشرطة مع الراضي حول تحويلات مصرفية ونقدية تلقّاها من خارج المغرب كمقابل لوظائف مختلفة، بما فيها كتابة مقالات لوسائل إعلام أجنبية. كان إجمالي المبلغ الذي تقاضاه بين 2012 و2020 يقارب 15 ألف دولار أمريكي. على ما يبدو، تشمل القضية ضدّ الراضي تهمة بأنه لم يفصح عن تلك المبالغ لمديرية الضرائب المغربية. يعاقب المغرب التهرّب الضريبي بغرامات، باستثناء حالات العود؛ عندها تكون العقوبة السجن لفترات قصيرة.