Ultimate magazine theme for WordPress.

(بقلم: محمد حسنة) مؤتمر الجبهة الشعبية الـ15: أصداء وتطلعات

283

تعقد جبهة البوليساريو كل أربع سنوات، مؤتمرا شعبيا عاما، لتقييم الوضع بين مؤتمرين في شتى المجالات وعلى مختلف المستويات، ولرسم السياسات العامة للحركة والدولة، وإقرار البرامج وتحديد الأهداف والأولويات المستقبلية، وانتخاب القيادة المؤهلة لأداء المهام المطروحة.

ما يميز المؤتمر الخامس عشر عن سابقيه، هو أنه أتى في ظروف تتسم بجمود مخطط السلام الأممي، ونفاذ صبر الشعب الصحراوي وتلاشي ثقته في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وفي طبيعة تعاطيهما مع الملف، هذا بالإضافة إلى انعقاد هذا الإستحقاق الوطني الهام بالمناطق المحررة، وبالتحديد بلدة التفاريتي، في أعقاب حملة شعواء وضجة إعلامية مغالطة، كان قد شنها النظام المغربي من قبل  وتعاونت معه إسبانيا لاحقا للتشكيك في قدرة جبهة البوليساريو على حماية الأراضي المحررة ومخيمات العزة والكرامة من الإرهاب، وكذا لتضليل الرأي العام المغربي والدولي، وبث روح من اليأس والإحباط في صفوف الصحراويين، ومحاولة كسر شوكة التضامن والمؤازرة التي تبديها الشعوب الإسبانية تجاه الشعب الصحراوي وقضيته العادلة، ناهيك عن سعي الإحتلال المغربي الحثيث لخلط الأوراق في أروقة الأمم المتحدة، وخلق العثرات في المسار الذي تسلكه لتسوية النزاع في الصحراء الغربية، من خلال تحييد العدالة الدولية وتغليب لغة المصالح، عبر سياسة الرشاوي وشراء الذمم والمواقف والترويج للأطروحة المغربية بشهادة أهل الزور.

كل هذا وغيره مما يطبخ في الكواليس، تفطنت له جبهة البوليساريو الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، وعملت على تحديه بخبرتها وببراعتها السياسية، وبإرادة شعبها القوية، التي أسقطت ورقة التوت عن المحتل المغربي وحلفائه وأتباعه من الخونة والمرتدين، لا بل وعرت كل مناورات الإحتلال المغربي وتعنته الذي أضاع الكثير من الوقت، وأثنى العديد من الجهود المبذولة دون التوصل إلى حل متفق عليه لهذا النزاع الذي عمر طويلا.

المؤتمر الخامش عشر أيضا، ومن خلال الإندفاعة والروح التي سادت بين المؤتمرين وتابع أصداءها الصحراويون في كل مكان، كان بحق في مستوى التطلعات، حيث فصل بين الجد واللعب، وحمل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤوليات التخاذل المستشري، وعدم التعاطي الفعلي على قدم المساواة مع الطرفين المتنازعين (جبهة البوليساريو والمغرب)، بالرغم مما عبرت عنه جبهة البوليساريو من صدق نية، وما أبدته من مرونة سعيا للحل، إلا أن ذلك كله لم يتم إستثماره من طرف الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لكسر التعنت المغربي المزمن، وإجباره على الإنصياع لقرارات الشرعية الدولية، الشيء الذي فرض على جبهة البوليساريو من خلال هذا الإستحقاق التاريخي، مراجعة أسلوبها وكيفية تعاطيها مع عملية السلام الشائكة، بغية الدفع بالقضية الصحراوية إلى الأمام، وتحريك ملفها بروح جديدة من الجدية والواقعية.

هذا، وبعث المؤتمر الخامس عشر لجبهة البوليساريو أيضا بإشارات قوية مفادها العودة إلى الحرب في حالة أي إنسداد قد يطرأ مستقبلا، هذا بالإضافة إلى العمل على ممارسة كل أنواع السيادة على الأراضي المحررة من تراب الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بما في ذلك إعمارها ونقل المعدات الإدارية إليها كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وهو ما سيفند أكذوبة المناطق العازلة، ويكشف المحاولات المغربية المتكررة لصرف الإنتباه عن لب الصراع، من الإشارات القوية للمؤتمر الخامس عشر أيضا، دعم إنتفاضة الإستقلال لتلعب دورها الريادي في المقاومة والنضال، وتفعيل الواجهة القانونية أكثر من خلال مقاضاة الإحتلال المغربي أمام المحاكم الدولية، بخصوص النهب غير الشرعي والممنهج لثروات لصحراء الغربية، وإنتهاكات حقوق الإنسان المستمرة، والحصار الذي تشهده الأراضي المحتلة في وجه الصحافة الدولية وغيرها ممن يسعى إلى توثيق الحقائق على الأرض، ينضاف إلى ذلك تحميل الإحتلال المغربي المسؤولية الكاملة في حالة حدوث أية أعمال إرهابية تستهدف الأراضي المحررة ومخيمات اللاجئين الصحراويين بالجزائر.

المؤتمر حرص كذلك على تقوية الجبهة الداخلية، وحماية مؤسسات الدولة والرفع من أدائها بمحاربة الفساد، وتعزيز الثقة في التنظيم السياسي وتوحيد الرؤى وتمتين عرى الوحدة الوطنية، وإختيار الأداة المناسبة والكفيلة بإنجاز كل البرامج والمقررات التي من شأنها قطع الطريق أمام دسائس العدو ونواياه الخبيثة تجاه القواعد الشعبية.

هكذا كانت الأصداء التي خلفها المؤتمر الخامس عشر لجبهة البوليساريو، والتي تداولتها الجماهير الصحراوية على إختلاف تواجداتها، وتوسمت فيها تحولا أفضل مما كان عليه الوضع سابقا، خاصة في ظل تحسن الأوضاع في الجزائر، الحليف الذي خرج من أزمته بصورة ديمقراطية مذهلة، أفشلت كل المحاولات العدائية الهادفة إلى زعزعة أمنه واستقراره هو الآخر.

إن نجاح المؤتمر الخامس عشر، من حيث الحالة الأمنية والمشاركة الأجنبية الباهرة، ومن حيث التنظيم المحكم والنقاش البناء، وقيمة المقرارات والرسائل والتوصيات الصادرة عنه، بث روحا من التفاؤل والإصرار على تحقيق إرادة الشعب الصحراوي في الحرية والإستقلال، وجعل الشعب المغربي والمنتظم الدولي بالمقابل، يدركان مدى الظلم والغطرسة والكذب الذي يمارسه نظام المخزن في المغرب، والمبني أساسا على الهيمنة والتسلط، وعلى المغالطة والتضليل وخدمة أجندات الدولة الفرنسية في منطقة شمال غرب أفريقيا خاصة.

إلى ذلك كله، وفي إنتظار تعيين الوزير الأول وتشكيل الحكومة الجديدة، وتفعيل السلطات، تبقى الآمال والتطلعات قائمة، وكل ما يتمناه كل صحراوي مخلص ألا تخيب ظنونه في المستقبل.

كفاح صمود وتضحية لاستكمال سيادة الدولة الصحراوية 

التعليقات مغلقة.