Ultimate magazine theme for WordPress.

الأيام المتشابهة الجزء الثاني (غامر أو غادر)

224
السبت، 18 يناير 2020
الأيام المتشابهة / الجزء 2 : غامر أو غادر

قبل  إنهاء دراستي كان المستقبل ورديا في مخيلتي، كنت كثير الإطلاع على كتب إبراهيم الفقي رحمه الله. كنت أومن بأن الرجال هم من يصنعون المال وليس المال هو من يصنع الرجال حسب ماكان يقوله لي جدي رحمه الله. كنت أومن بأن تسعة أعشار الرزق في التجارة حسب الحديث الشريف، وكنت أومن أيضا بأنه يجب أن نتعلم التجارة و لانتعلم الإجارة وأن الوظيفة عبودية. لكنني لم أكن أدري أنني أعيش في زمن الظلم والحيتان التي تلقف الغث والسمين ولاتترك شيئا ورائها  كشفاطة أ لمانية الصنع.

دخلت عالم الأعمال الحرة بعد أن أنقطعت عن الدراسة لظروف صحية ومادية، وكلي أمل وحيوية وكلي يقين أنه يجب أن يصبر الإنسان ويكد حتى تصبح لديه مردودية لمشروعه. لكنني وجدت مستنقعا به أنواع من الكائنات الغريبة التي همها التسلق وتكديس الارباح مهما كان مصدرها ومهما كانت الطريقة التي أتت بها دون أن يراعوا دينا أو إنسانية فالهدف دنيوي بحت ولامجال فيه للأخلاق. لاتهمك مظاهرهم الخداعة فأغلبهم لصوص متملقون باحثون عن المادة.  صارعت لسنين في هذا الوحل لكنني أدركت متأخرا أن هذا المستنقع له شروط وأولها أن تتجرد من الأخلاق والإنسانية وأن تكون متملقا فاقدا للكرامة حتى يرضى عنك من يظنون أنفسهم أسيادا.
لذلك أنسحبت بصمت بعد أن أكتشفت أنه ليست لدي الآليات للغطس في هذا المستنقع دون أن أتسخ. وتأكدت من فشل الأسطوانات التي صدعنا بها مدربوا التنمية الذاتية والسياسيون الذين يطلبون من الشباب المزيد من الثقة والمغامرة في مستنقع من صنع هؤلاء الأخيرين ومدلليهم. وتأكدت أن هذه البرامج أتت لعالمنا العربي بشكل خاطيء. لأنها على مقاس الغرب الذي يقدس الإنسان، وليست على مقاس عالمنا الثالث الذي يقدس المسؤول وذوي المصالح المترابطة ويرمي كل من ليست فيهم مصلحة لهم على هامش الإنسانية.
أجبرت نفسي على محو كل الأفكار التي تدعوا إلى الإعتماد على الذات والمبادرة من مخيلتي وأصبحت واقعيا وعدت لإكمال دراستي لعلي أحصل على ديبلوم أو إجازة لأدخل مجال التوظيف العمومي، وحصلت على الإثنين. لكن وجدت واقعا أخر يقصي كل من هم من بني جلدتي. وجدت نفسي وذوي ومحيطي غرباء فوق أرضنا.

بقلم الاعلامي الصحراوي: الطاهر بدي

Warning: Division by zero in /home/octobre/public_html/wp-includes/comment-template.php on line 1457

التعليقات مغلقة.