Ultimate magazine theme for WordPress.

سياسة الاستيطان بأرض الصحراء الغربية المحتلة

0 266

#ملف الإستيطان

المغرب وسياسة الاستيطان والاحتلال في الصحراء الغربية

من المعروف تاريخيا أن أية دولة تحتل دولة اخرى تحاول دوما فرض سياستها التوسعية عن طريق الاستيطان، تذويب الثقافة المحلية وتغيير الخارطة الديموغرافية بطريقة تجعلها المهيمنة والمسيطرة على الشعوب المستضعفة. تجربة الشعب الصحراوي وحالة الصحراء الغربية المحتلة لا تختلف عن تجربة باقي البلدان والشعوب الأخرى التي ذاقت ولا زالت تذوق ويلات الاستعمار والاحتلال الى يومنا هذا.
في سنة 1975، اجتاح المغرب الصحراء الغربية في إطار ما اصطلح عليه باتفاقية مدريد المشؤومة والغير قانونية والتي بموجبها اقتسم المغرب الصحراء الغربية مع الدولة الجارة موريتانيا. هذا الاجتياح العسكري الغادر نشب عنه العديد من التداعيات الخطيرة التي غيرت جدريا من واقع الصحراء الغربية وأوضاع شعبها إلى الأبد. ما وسم تلك الحقبة السوداء هو استخدام الجيش المغربي لقنابل الفوسفور والنابالم ضد المدنيين العزل والبدو في الصحراء الغربية ومطاردة فلول الهاربين من الغزو والنازحين نحو بر الامان. لم يسلم من ذلك البطش الدموي العجائز ولا الأطفال ولا حتى النساء. أما من بقي في المنطقة، فقد صار تحت قبضة من فولاذ لدولة لا تعرف معنى الرحمة ولا معنى الأخوة في الدين. ففي حين هرب من هرب نحو مخيمات اللاجئين في أرض حمادة تندوف ونحو موريتانيا، بقي الأخرون تحت سياط الجلاد، وتم اقتياد خيرة أبناء وبنات الشعب الصحراوي نحو السجون السرية بدون محاكمة أو أدنى اعتبار لحقوقهم المدنية والسياسية لا بذنب سوى أن جريمتهم كونهم صحراويون.
فترة السبعينات والثمانيات كانت من أحلك الفترات في تاريخ الشعب الصحراوي في المنطقة المحتلة وفي مخيمات اللجوء.
فالمغرب زج بمئاتالصحراويين في غياهب السجون:أگدز، مگونة، درب مولاي الشريف،BIR1، بيسب سيمي، تازمامارت…. الخ. هذه الفترة عرفت تغييبا تاما لأدنى مفهوم للحقوق الأساسية للفرد. والأنكى من ذلك، تم اغتيال العديد من الصحراويين ودفنهم في مقابر جماعية. أحيانا تجد عائلة بأكملها مدفونة تحت الرمال بمعرفة الجيش المغربي الذي كان ينفذ أنذاك التطهير العرقي بحق الصحراويين والإبادة الجماعية لكل من كان يناوي المفرب وسياسته الاستعمارية. البقية الباقية والتي بقيت متحصنة في منازلها، صار الرعب رفيقها الدائم ومؤنسها في وحشتها وعزلتها. أما البدو، فقد تم تهجيرهم من البوادي التي عاشوا فيها وألفوها نحو المدن التي صارت بمثابة سجن كبير تسهل على النظام المغربي وازلامه أن يضيقوا الخناق على الصحراويين وأن يراقبوا كل شاذة وفاذة.
تلك الفترة عرفت أيضا تهجير عائلات صحراوية بأكملها نحو المغرب، وفرضت عليها الإقامة الجبرية نظرا لاشتباه النظام فيهم أو لتواجد أحد أفراد تلك العائلات في البوليساريو. نذكر على سبيل المثال العديد من العائلات التي تم تهجيرها الى قصبة تادلة والحسيمة وغيرها من المدن المغربية. ولم يكن يتحرك أفراد تلك العائلات إلا بترخيص من وزارة الداخلية المغربية أو الجيش. أما بعض العائلات الأخرى فقد حكم عليها أن لا تطأ أقدام أفرادها التراب الصحراوي المحتل.
في نهاية الثمانينات وبالظبط سنة 1988، تفتق ذهن النظام المغربي عن فكرة جهنمية جديدة وهي ما اصطلح عليه ب “أشبال الحسن الثاني” أو ما أسماه الصحراويون ب “الشباب المهجر”. كان خطاب الملك الحسن الثاني محوريا وفاصلا والذي بموجبه تم تشغيل الشباب الصحراوي كافة بالألاف في كل مداشر المغرب في حين تم منعهم من التشغيل في مداشر الصحراء الغربية. وتم حثهم على الزواج من المغربيات والاندماج في المجتمع المغربي. هذه السياسة كانت ترمي الى تهجير قسري لخيرة الشباب الصحراوي والنخبة الصحراوية الصاعدة انذاك.
هذه الخطوة/المبادرة كانت اجبارية وفرضت قسرا هلى الصحراويين في محاولة من النظام المغربي لافراغ الصحراء الغربية من كوادرها المستقبليين وشبابها المثقف. رغم كل هذه المحاولات الدؤوبة لفرض الأمرالواقع، إلا أن الصحراويين لم ينصاعوا لمحاولة التدجين تلك، وبالتالي أفشلوا تلك المحاولة ورجع جلهم إلى أوطانهم وأهاليهم.
كما عمد النظام المغربي إلى نشر النعرة القبيلة بين أوساط المجتمع الصحراوي من أجل تشتيت شملهم وتفتيت الوحدة الوطنية. وهذه سياسة قديمة جديدة تعرف بسياسة فرق تسد. ورغم كل هذه المساعي والمحاولات المخزنية من أجل إضعاف الصحراويين وزعزعة صمودهم إلا أنها لم تأتي أكلها وبقي الصحراويون صامدين يناضلون من أجل اكتساب حقوقهم التي تضمنها كافة المواصيق الدولية.
أما في مستهل بداية التسعينات وبالظبط بعد الشروع في مخطط التسوية الأممي وسريان مفعول وقف إطلاق النار، ابتدأت الأمم المتحدة مسلسل عملية تخديد الهوية لمن يحق لهم التصويت في الاستفتاء المزعم تنظيمه حسب الاتفاق بين الاطراف المتنازعة برعاية ووساطة الامم المتحدة عن طريق بعثتها المعروفة اختصارا بالمينورسو. وجد المغرب في هذه العملية فرصة سانحة لنسف عملية تحديد الهوية والاستفتاء بصفة عامة وذلك عندما قام بجلب 120000 مغربيا من المغرب، وتم توزيعهم على مخيمات بناها لذلك الغرض في كافة المدن والمداشر الصحراوية. كذلك كانت له تداعيات خطيرة على مخطط التسوية الأممي، على عملية تحديد الهوية وعلى الخارطة الديموغرافية للصحراء الغربية وتمثيلية الساكنة الأصلية.
بعد فشل عملية تحديد الهوية لهذا السبب، تم منح المستوطنين المغاربة الأراضي والمنازل بالاضافة الى معونة دائمة وفرص الشغل في كل ربوع الصحراء الغربية، في حين تمنهب ثروات البلد وتفقير الصحراويين، بدون أن يحق لهم من التمتع بنفس الفرص والامتيازات التي يتمتع بها المغاربة هناك.
ولعل أحداث مدينة الداخلة لسنة 2011 لأدل مثال على تجبر المستوطنين ومدى الدعم الذي يوفره لهم النظام المغربي.
ولقد أطلق الصحراويون هليهم تسمية “الطابور الخامس” لكونهم صاروا يعتبرون الجيش الاحتياطي المدني (الميليشيات) للنظام المغربي في الصحراء الغربية. هذا الأمر جعل منهم قوة لا يستهان بها سواء على المستوى الاجتماعي، المستوى الاقتصادي، أو حتى المستوى السياسي.
مرحلة ما بعد وقف اطلاق النار منحت للمغرب فرصة عظيمة للدفع بالمغاربة إلى الاستيطان بكل أمان في الصحراء الغربية، مما نتج عنه محاولة تذويب الثقافة الصحراوية في الثقافة المغربية، تزوير التاريخ، سلب الأراضي، الاستيلاء على المشاريع، نهب الثروات، التهرب الضريبي وتدمير بنية المجتمع الصحراوي وتخريب النسيج الاجتماعي.
فصارت الجريمة، الفقر، الخلاعة والميوعة، انعدام الأمان وتفشي المخدرات والمشروبات الكحولية والأقراص المهلوسة، ظواهر مألوفة في الصحراء الغربية. كل هذه الآفات هي مستحدثة وجديدة على مجتمعنا البدوي الذي لم يألفها من قبل، والتي فرضت عليه وتم زرعها بين أوساطه لنية مبيتتة.
إن حالة اللاحرب واللاسلم تلك، نتج عنها وعي سياسي لدى عامة الصحراويين الرازحين تخت الاحتلال، فبزغ بذلك نجم انتفاضة الاستقلال سنة 2005، وما تبع ذلك من مظاهرات سلمية ونضال سلمي مستمر إلى يومنا هذا. هذا الأمر الدي فرضه الواقع الجديد، دفع بالنظام المغربي إلى أن يحاول أن يشتت شمل الصحراويين وخصوصا فئة الشباب، بعد أن عطل فئة الكهول الذين حاصرهم ماديا ومنع تجترتهم وأحال البقية منهم على المعاش. ولذلك الغرض استحدث النظام المغربي خطة تهجير الصحراويين في قوارب الموت نحو جزر الكناري للتخلص من أشبال الانتفاضة وتحييد الباقي منهم. كانت أول محاولة حالة المفقودين 15 الذين كانوا من خيرة شباب الانتفاضة ومن رؤوسها الكبار. وتوالت الأحداث بعد ذلك، فصرنا نسمع بتواطئ خفر السواحل مع الجندرمة والجيش بالاضافة الى ضلوع الشرطة في تسهيل الهجرة السرية نحو جزر الكناري. فإن لم يأكل البحر ومخلوقاته أولئك الشباب، فإن الغربة كفيلة باحتوائهم وردء خطرهم عن النظام المغربي، وهنا، أذكر حالة الشهيد سعيد الليلي، ذلك الشاب الصحراوي الذي استعمل موسيقى الراب الصحراوية ليعبر عن انخراطه في الساحة النضالية ويسجل مواقفه الشجاعة بالرغم أن من حداثة سنه وهو صغير كان فتى الميدان وبرعم الانتفاضة والتظاهر السلمي.
وصف الشهيد سعيد الليلي كلمات موسيقاه بالرصاصة التي تخترق جسد الاحتلال.
أحيانا، يشكك البعض في صحة بعض النظريات حول الاستيطان، إلا الهاكر المعروف باسم كريس كولمان والذي نشر بعض التسريبات الأمريكية الاي تخدثت عن خطة مغربية فرنسية بالاتفاق مع دول أوربية أخرى لمحاولة إعادة توطين سكان مخيمات اللاجئين نحو بلدان أوربية من بينها النرويج وبريطانيا. إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت ذلك المقترح. هنا يتضح جليا، وبعيدا عن نظرية المؤامرة، محاولة المغرب لمحو الهوية الصحراوية وتذويب شعب الصحراء الغربية في شعوب اخرى. كما أن هذه السياسة كانت ترمي إلى اضعاف الصحراويين والتخلص نهائيا من البرليساريو ومحو مخيمات اللاجئين. كما أن هذه الخطة كانت ترمي أيضا إلى تحنيد الجزائر وإضعافها فيما يخص دورها الايجابي في مسلسل تصفية الاستعمار. أيضا، هذا الأمر إن كان نجح، فقد كان الهدف منه إضعاف تمثيلية الصحراويين وجعلهم أقلية على أرضهم تحكمهم الاغلبية السائدة والقادمة من المغرب. في السنوات الأخيرة من الألفية الجديدة، عمد المغرب إلى السماح باستقرار الأفراد والعائلات القادمة من جنوب الصحراء. وقد تم منحهم بطاقة الاقامة والسماح لهم بالشغل في كافة مدن الصحراء التي صارت موطنا جديدا لهم.
ولكم أن تتخيلوا ما سيطرأ على النسيج الاجتماعي الصحراوي من جراء تبعات ذلك بالاضافة إلى الأضرار الاقتصادية والثقافية على المجتمع الصحراوي بصفة عامة.
ولا يفوت أي مراقب للشأن الصحراوي إلا أن يلاحظ عدم تواجد أي جامعات في الصحراء الغربية مما يفرض على الطلبة الصحراويين تكبد عناء السفر والترحال نحو المدن المغربية لطلب العلم والنهل من روافد المعرفة. أما البنية التحتية فحدث ولا حرج لأنها هشة وضعيفة بصفة كاملة. وقد عمدت الدولة المغربية في إطار التشجيع على الاستيطان إلى حرمان الكوادر الصحراوية المناوئة لسياساتهامن المسؤولية في كافة الدوائر والمؤسسات في حين استجلبت كوادر خارجية لتسيير الشأن المحلي. بالاضافة الى ذلك يتم منح هذه الكوادر المستجلبة العديد من الامتيازات والمنح لضمان بقائهم. فصار كل من يريد الاغتناء، يطلب العمل والانتقال إلى الصحراء، كما أن من يريد الثراء السريع ما عليه إلا أن يمتطي مركبة السياسة الموالية للتصور والأطروحة المغربيين من أجل الظفر بالتسهيلات والفرص الاقتصادية لدى الدولة المغربية، الشيء الذي خلق نخبة فاسدة تهرول نحو التصفيق والتطبيل للمبادرة المغربية المتمثلة في فرض الحكم الذاتي الذي يرفضه شعب الصحراء الغربية جملة وتفصيلا.
وبخصوص واقع التنمية، فاگديم ازيك كان محطة فاصلة وتاريخية لدحض اطروحة التنمية المغربية في الصحراء الغربية، حيث أن الصحراويون خرجوا عن بكرة أبيهم ونزحوا إلى خارج المدار الحضري كنوع من الاحتجاج ونبذ الهيمنة المغربية على كافة القطاعات. من خلال مخيم اگديم ازيك الاحتجاجي برهن الصحراويون عن قدرتهم على تسيير أمورهم بأنفسهم بدون حاجة الى أي شيء من السلطات المغربية. كما أن محطة اگديم ازيك التاريخية كانت بمثابة صوت هادر احتجاجي ضد التهميش والمعاناة والتفقير الذين يعانيه أبناء وبنات الشعب الصحراوي.
ولإحكام قبضة النظام على الصحراويين، فقد عمد النظام المغربي إلى خلق وإحداث قرى للصيادين على طول السواحل الصحراوية، وعبَّدَ الطرق وأدخل الكهرباء والماء لهؤلاء الصيادين. اغتنم هذه الفرصة بعض المجرمين والفارين من العدالة ليتخذوا من هذه القرى ملاذا آمنا ومأوى لهم بعيدا عن أعين العدالة والسلطات التي تغض النظر عنهم. هذه القرى ساهمت في خلق تكتلاتاقتصادية مغربية تدافع بشراسة عن مصالحها وتتواطئ مع النظام. كما أنها لا زالت تساهم في نهب الثروات وتدمير البيئة إجمالا.
أما الوعاء العقاري، فقد أخذ النظام ما أخد منه وترك الباقي للوبيات العقار تستولى عليه. أغلب هذه الأراضي هي ملك لعائلات صحراوية متجذرة انتزعت منها ملكيتها. وعلى سبيل الذكر، تم الاستيلاء على اگراير اهل اندور الواقعة شرق مدينة العيون. أما الأراضي الأخرى سواء شمال أو جنوب أو حتى شرق وغرب العيون فقد استولى عليها أصحاب النفوذ والشركات الأجنبية لبناء مشاريعهم عليها. فكان الوعاء العقاري كعكة تقاسمتها الدولة مع اللوبيات لخدمة السياسة التوسعية، ومثال ذلك شركة ألستوم الفرنسية في منطقة الجحيفة شمال مدينة العيون، والشركات العقارية الضحى والعمران بالمدار الحضري للعيون. أما في مدينة الداخلة، فقد تم الاستحواذ على الوهاء العقاري ومنح البقع والاراضي للأجانب وبيع الباقي لكل من لديه القدرة على الدفع. ومؤخرا دخل لاعب جديد الى الساحة في مدينة بوجدور والتي عرفت انزالا مكثفا للقطريين وبالضبط في منطقة اجريفية.

كل هذه السياسات والعوامل التي اسلفناها سابقا ساهمت ولا زالت تساهم في تهميش وتفقير الصحراويين. الذين تحاول البروباغندا المغربية تصويرهم على أنهم مواطنون من الدرجة الأولى ويتمتعون بامتيازات لا تمنح لغيرهم.
كما أن هذه الدعاية تصورهم على أنهم يعيشون في بحبوحة من العيش وفي أحسن الظروف إلا أن الواقع يقول لسان حاله شيئا آخرا، ويبقى الصحراويون صامدين ومتفائلين بغد أفضل وبوطن حر وعيش كريم.

بقلم محمد ابراهيم

05يوليوز 2019

اترك رد